رفيق العجم
529
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
فيها بحال يكون بها مستعدّا لقبول قوة الحياة من واهب الصور . والثاني : القوة الموجودة في المنيّ إذا انتقل إلى الرحم وانضمّت إليه سائر الشرائط ، بأن يكون ماء دافقا صحيحا قويّا ، لا فساد فيه ولا ضعف ، ويكون الرحم صحيحا ، لا علّة به ، ولم يحصل للمرأة عقيب الجماع حركة مزعجة عنيفة ، يحصل بها زلق المني من الرحم ، فحينئذ يستعدّ لقبول القوة المصوّرة من واهب الصور ، فإذا صار عنها تشكيلات الأعضاء ، كان ذلك كونا للصورة العضوية ، وفسادا للصورة المنوية ، فيستعدّ حينئذ لقبوله الروح من واهبها . هذا هو السبب العادي في تكوين كل مولود ، وإذا ثبت ذلك ، فنقول : إن كل شيء له سبب قريب وسبب بعيد ، فالأكثر إضافته إلى سببه القريب ، فيقال عند رؤية الرياض الخضر : انظر إلى صنع المطر ، واللّه هو الصانع الحقيقي ! ! ولو رؤي نبات نضر على صلد ، والشمس في الأسد ( برج الأسد ) ، لقيل : انظر إلى صنع الإله ! ! فيصرّح بالسبب الحقيقي ، لفوات السبب العادي ! ! وإذا وضح هذان الأصلان ، نقول : السبب القريب في حق عيسى ، عليه السلام ، لمّا دلّ الدليل على عدم وقوعه ، أضيف تكوينه إلى السبب البعيد ، وهو الكلمة ؛ لأن كلّ أحد مخلوق بكلمة اللّه القائل بها لكل مخلوق : " كن " . فإذا هو كائن ! ! فلهذا السبب صرّح في حقّه بذلك ، إشارة إلى انتفاء السبب القريب العادي ، وأنه إنما كوّن الكلمة التي هي : " كن " من غير مني ! ! ! يمكن إضافة التكوين إليه على ما شرح ، ثمّ أوضح ذلك بقوله : " ألقاها إلى مريم " " يريد : أن الولد إنما يتكوّن من إلقاء المني إلى أمه ، وهذا المولود لم يخلق إلّا بإلقاء الكلمة إلى أمه ، التي هي عبارة عن الأمر بالتكوين ، فإذا ، الإلقاء مجازيّ ، وقد ورد مثل ذلك في حق آدم عليه السلام لما اشتركا في عد التكوين عن الأسباب العادية ، حيث قال جلّ من قائل : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ( ص ؟ : 75 ) . واللّه عزّ وجلّ ، لا يد له ، وإنّما المراد : خلقته بقدرتي ، إشارة إلى أنه لم يكوّن من مني ، وإنما كوّن بقدرته . يشير بذلك إلى فوات السبب العادي ، وإذا فات السبب العادي ، أضيف إلى السبب البعيد المشبّه بالحقيقي ، وهو كلمة اللّه عزّ وجلّ ، وقد أتى بالمماثلة صريحا ، فقال ( عزّ من قائل ) : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( آل عمران : 59 ) وكذلك أيضا قوله : وَرُوحٌ مِنْهُ ( النساء : 171 ) . أي : وهو روح تكوينها صادر عنه ، منفكا عن الأسباب العادي التي يضاف إليها المسبّب عادة ، فالصلة في مكان الصفة للروح . ( ر ، 166 ، 9 ) عين - أما العين فإنما خلقت لك لتهتدي بها في الظلمات وتستعين بها في الحاجات وتنظر بها إلى عجائب ملكوت الأرض والسماوات وتعتبر بما فيها من الآيات ،